سعيد حوي

1522

الأساس في التفسير

على أنّه في صراع مع الشر لا يهدأ ، وفي الحكم الذي ذكرناه ، نلاحظ أن المسلم لا يتناقض مع نفسه ، فهو لا يقتل ما حرّم عليه ثمّ يأكله ، فيبني حلا على حرمة . 8 - [ فائدة عظيمة من قوله تعالى . . . وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ . . ] جاء في الحديث : « ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى » وروى البغوي في معجمه أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال : يا رسول اللّه ادع اللّه أن يرزقني مالا ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » . نذكر هذا بمناسبة قوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ . 9 - [ تعميق لقضية التقوى ] رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء من حيث كونها طريقا وتعميقا لقضية التقوى ، ولقد ختمت هذه الفقرة بقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فلا فلاح إلا بتقوى ، ولا تقوى إلا باتباع كتاب اللّه في كل حال . كلمة في السياق : بعد أن بيّن اللّه - عزّ وجل - أنه لا يصح لنا أن نحرّم طيبات ما أحل لنا ، وبيّن لنا بعض الخبائث التي حرّمت علينا ، وبعد أن ذكر أن صيد البر حال الإحرام لا يجوز - وهي حالة مستثناة من الحل العام - ينهانا في الفقرة اللاحقة أن نسأل ؛ رغبة في التحريم ، ويبين لنا أن ما حرّمه أهل الجاهلية على أنفسهم ، من عند أنفسهم ليس حراما ، بل إن ما حرّموه على أنفسهم من عند أنفسهم دليل على ضحالة العلم والعقل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . أي : تغمّكم وتشق عليكم ، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب اللّه بالتفريط فيها ، وفي هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده المؤمنين ، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم ، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين . الأول : وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي - وهو ما دام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهركم - تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم ، ويترتب على ذلك تفريط . والمعنى الثاني : أي : وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبيّن لكم ، وعلى هذا يكون المعنى : إن السؤال لتفهم الوحي جائز ، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام ، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها . عفا اللّه عما سلف من